محمد حسين علي الصغير
151
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
ذكرناها من إضافة الفعل إلى الأمر ، وإن لم يأمر به ، بل أمر بضده ، لما وقع مقابلا لأمره . فسمي من كان سبب الضلال مضلا ، وإن لم يكن منه دعاء إلى الضلال ، ولا إلى ضده فوقع الضلال عند دعائه ، قال سبحانه : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ 35 رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 36 « 1 » . فأضاف تعالى ضلال القوم إلى الأصنام إذ جعلوهم سببا لضلالتهم وهي جماد ، لا يكون منها صرف عن طاعة ، ولا دعاء إلى معصية . ومما يكشف عن ذلك أن زيغ الزائغين فعل لهم ، وإزاغة اللّه تعالى لهم فعل له ، فإذا ثبت أن زيغهم عن الأيمان علمنا أن إزاغتهم عن الثواب ، وإلا لكان الفعلان واحدا ، وقد علمنا أن جهتي الفعل مختلفان » « 2 » . ويمكن الرجوع في هذا الملحظ إلى مبحث الخصائص العقلية فيما تقدم لإثراء هذا الجانب ، ويستند إليه وإلى أشباهه ظاهرة انتشار المجاز اللغوي المرسل في القرآن واعتبار ذلك مما ينطبق جملة وتفصيلا على هذه الظاهرة . الظاهرة الثانية : - وتبرز حقائقها في مجال التصديق بالأمر ووقوعه ، واستمرارية الصفات وغلبتها ، وملابسة الوقائع بعضها لبعض ، وتأكيد بإطلاق ضده عليه ، وهنا يتوالى رصد المجاز اللغوي المرسل في التعبير القرآني : 1 - ففي تصديق الخبر ، وإبرام الأمر ، وحتمية الإرادة نتلمس قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 59 « 3 » .
--> ( 1 ) إبراهيم : 35 - 36 . ( 2 ) الشريف الرضي ، حقائق التأويل : 5 / 25 وما بعدها . ( 3 ) آل عمران : 59 .